المطلع
عاجل

post-image

الخطّابة الإلكترونية في العراق: وساطة الزواج تدخل الفضاء الرقمي


01:14 تقارير عربية ودولية
2025-09-03
43322

يشهد المجتمع العراقي ظهور نمط حديث من وساطة الزواج يُعرف بـ"الخطّابة الإلكترونية"، نتيجة لتوسع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب ضعف الرقابة المجتمعية وغياب الإطار القانوني. ويقوم بهذا الدور وسطاء ووسيطات عبر الإنترنت، ينشطون على صفحات وحسابات في منصات مثل فيسبوك وتلغرام وإنستغرام وواتساب، حيث يقدّمون خدمات "التوفيق بين الشباب والفتيات" بهدف الزواج

وبينما يُنظر إليها أحياناً كامتداد رقمي لدور الخطّابة التقليدية، فإنها تنطوي في كثير من الحالات على أبعاد مقلقة، تمتد من التجاري إلى الاحتيال، بل وتصل في بعض الحالات إلى الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي.

في هذا المجال، تبرز "أم سمية"، وهي سيدة عراقية تدير منذ عام 2021 صفحة متخصصة في الوساطة للزواج على فيسبوك. تقول في حديثها لـ"العربي الجديد": "أدير صفحة تضم أكثر من 200 ألف متابع، وكل ما أقدمه يندرج في إطار الستر والزواج بالحلال. تصلنا طلبات يومية وبعضها من أهالٍ يبحثون عن زوجات لأبنائهم الذين يواجهون صعوبات في العثور على شريكة مناسبة".
وتشدّد على أن نشاطها لا يخرق القانون، بل يسعى لمساعدة الراغبين في الزواج، مؤكدةً أنها تتقاضى أجراً رمزياً، وأنها تملك من الخبرة ما يؤهلها لتمييز الباحثين الجادين عن الزواج من غيرهم.

وتقول: "لا أُزكّي أي فتاة إلا بعد التأكد منها ومن أسرتها، ولم أُجبر أحداً يوماً على القبول بشخص لا يرغب فيه. وقد ساعدتُ في إتمام أكثر من 70 حالة زواج ناجحة".
لكنها لا تُخفي امتعاضها من بعض الصفحات المشبوهة التي أساءت إلى هذا المجال، قائلة: "المشكلة في من دخلوا المجال بدافع الربح فقط، دون ضوابط أو أخلاق. هؤلاء يجب أن يُحاسَبوا قانونياً".
من جهته يقول رائد الموسوي، الباحث المختص في علم الاجتماع الرقمي وشؤون الأسرة، لـ"العربي الجديد"، إن "انتشار ظاهرة الخطابة الإلكترونية في العراق لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لتشابك عدة عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية".

ويضيف: "الوضع الاقتصادي السيئ جعل من الزواج حلماً بعيد المنال لكثير من الشباب، فبات يُنظر إليه كنوع من الصفقة الاجتماعية التي يجب إنجازها بأي وسيلة ممكنة، حتى لو عبر وسطاء مجهولين على الإنترنت. كما أن العادات والتقاليد الصارمة في بعض المحافظات، لا تسمح للشاب أو الفتاة بالتواصل الحر مع الطرف الآخر، فيلجأ كثيرون إلى الوساطة الإلكترونية باعتبارها حلاً وسطاً بين الرغبة في الزواج وبين القيود الاجتماعية".
ويتابع: "غياب الرقابة القانونية سمح بتحول هذه الوساطة إلى تجارة غير مشروعة أحياناً، إذ لا يوجد قانون عراقي صريح ينظم عمل هذه الصفحات، ولا رقابة فاعلة من الدولة أو من المؤسسات الدينية والاجتماعية، فضلاً عن التكنولوجيا التي سهّلت الأمر على الجميع، وفتحت الباب أمام التزوير، وإنشاء حسابات وهمية، وانتحال الصفات. فإن الشاب أو الفتاة قد لا يعرفان مَن الطرف الآخر أصلاً، وهذا يفتح الباب للاحتيال أو الابتزاز".

ويشير إلى "الضغط المجتمعي الهائل الذي تخضع له الفتيات، إذ إن الكثير منهن يبحثن عن زواج يحفظ كرامتهن، لكنهن يخشين من رفض الأهل أو نظرة المجتمع، فيلجأن إلى وسائل يُعتقد أنها آمنة، بينما قد تكون أكثر خطورة من المواجهة الصريحة. وهذا الأمر بحاجة إلى إعادة تنظيم من خلال تشريع قانوني واضح، إلى جانب حملات توعية تُظهر المخاطر، وتعيد الاعتبار لمؤسسات الزواج الرسمية والمجتمعية".

ويوضح منهل مشتاق، المختص في الأمن السيبراني وتصميم المواقع الإلكترونية، كيف تتم الخطابة الإلكترونية. ويبيّن أن "الخطوة الأولى تكون عن طريق إعلان إلكتروني في هذه الصفحات (صفحة خطابة) أو صفحة (نخطب لك)، مثلاً، وتُنشر فيه صور لفتيات، وهي غالباً وهمية أو رمزية وليست للشخصية المعنية، مع معلومات العمر، الحالة الاجتماعية، والطول والوزن والملامح وغيرها، وكذلك المهر المطلوب وأي شروط أخرى، ومن ثم يتم التواصل عبر الدردشة، حيث يطلب الوسيط بيانات الطرف الآخر، مع ذكر مبلغ مالي على هيئة رسوم تسجيل".
ويتابع مشتاق: "تتحول عادة هذه الحالة إلى الابتزاز أو الاحتيال بعد الدفع، فقد يختفي الوسيط أو تُستخدم البيانات لاحقاً للضغط أو الابتزاز. لكن هذا لا يعني أن جميعها وهميةً، فهناك حالات يتم فيها ترتيب لقاءات تنتهي بعلاقات مشبوهة، أو زيجات غير قانونية، أو يُستدرج الأشخاص لاستغلال جنسي".


أما مهند الجابري، الباحث وأستاذ علم الاجتماع في جامعة بغداد، فيرى أن "الخطابة الإلكترونية إفراز طبيعي لتغير البنية الاجتماعية والتواصلية في البلاد". يقول: إننا "أمام جيل يعيش في فضاء رقمي بالكامل، ويعاني من انقطاع شبه كامل عن آليات الزواج التقليدية التي كانت تعتمد على العائلة أو الجيران أو المعارف".

ويلفت إلى أن "الخطير في هذه الظاهرة ليس فقط عدم خضوعها لأي رقابة، بل في الطابع التجاري الذي بدأت تأخذه، حتى إن بعض الصفحات باتت تعرض "كاتالوغات" للفتيات أو الشبان، وكأننا أمام سوق زواج مفتوح بلا أي ضوابط أخلاقية أو دينية". ويتابع "هناك مستخدمون لهذه الصفحات يعانون من وحدة، فراغ عاطفي، أو حتى ضغط مجتمعي مباشر. بعض الفتيات، خاصة الأرامل أو المطلقات أو اللواتي تجاوزن سن الثلاثين، يجدن في هذه الصفحات طوق نجاة من نظرة المجتمع القاسية".

من جانبه يقول المحامي عبد الله الساعدي، المختص في القانون الجنائي، لـ"العربي الجديد": "الخطّابة الإلكترونية، بصيغتها المتداولة حالياً، تمثل ثغرة قانونية واضحة في العراق، فنحن أمام نشاط يُمارس خارج إطار الترخيص، وغالباً دون رقابة، ويتورط فيه أفراد مجهولون يختبئون خلف شاشات إلكترونية، في بيئة غابت عنها الضوابط الأخلاقية والتشريعات الصريحة".
ويضيف، "استقبلنا خلال الأشهر الأخيرة عشرات الحالات، تتراوح بين الاحتيال المالي، والابتزاز، ووصل بعضها إلى استغلال جنسي لفتيات قاصرات، بحجة التزويج الشرعي عبر وسطاء إلكترونيين".

 ويتابع، "المشكلة لا تكمن فقط في مَن يدير هذه الصفحات، بل في البيئة القانونية الضعيفة التي لا تُجرّم هذا النوع من النشاط بشكل صريح، فقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 لم يُحدَّث بما يكفي ليواكب الجرائم الإلكترونية المعاصرة، كما أن قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012 لم يتطرق بوضوح لمسألة التزويج الوهمي عبر الإنترنت. وهذا ما يجعلنا بحاجة ماسة إلى تشريع خاص يُنظم أعمال الوساطة الإلكترونية، يفرض ترخيصاً، ويعاقب المخالفين بعقوبات رادعة، خاصةً حين يتبين أن هناك قضايا تتعلق بالابتزاز أو الاتجار".

وترى وزارة الداخلية العراقية أن الفضاء الإلكتروني أحد الأركان الأساسية في التواصل مع المواطنين في وقتنا هذا، لكنه يمثل تحدياً كبيراً في ظل انتشار صفحات إلكترونية تنشر محتوى قد يكون ضاراً بالمجتمع.
ويقول ضابط برتبة مقدم في الشرطة المجتمعية لـ"العربي الجديد": "دورنا هو تعزيز الأمن المجتمعي، ومراقبة هذه الصفحات بحرص شديد، خاصة إذا كان المحتوى يروج للعنف أو يثير الفتن بين أبناء الشعب العراقي".

ويضيف: "لا نهدف إلى تقييد حرية التعبير، لكننا نولي اهتماماً خاصاً بتلك الصفحات التي تروج لخطابات متشددة أو تحتوي على رسائل تحريضية. تتعاون الشرطة المجتمعية مع الجهات المختصة مثل هيئة الإعلام والاتصالات لضمان أن يكون المحتوى المتداول في الفضاء الإلكتروني متوافقاً مع قيمنا ولا يهدد استقرارنا الداخلي".
ويضيف، طالباً عدم الإفصاح عن نفسه كونه غير مخوّل بالتصريح وفقاً لقوله، أنه "من المهم أن ندرك أن الخطابة الإلكترونية ليست حكراً على الأشخاص المتطرفين فقط، بل يمكن أن تشمل أيضاً أشياء قد تكون غير مقصودة، مثل نشر معلومات مغلوطة أو تحريضية تحت ستار الدين أو السياسة. لذلك، نحن ملتزمون بالتدخل السريع لحماية أمن المواطن وضمان عدم استغلال هذه المنابر في نشر الأفكار التي قد تقود إلى الفوضى.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

العراق يعطل الدوام الرسمي غداً الثلاثاء بمناسبة رأس السنة الهجرية

العراق يعطل الدوام الرسمي غداً الثلاثاء بمناسبة رأس السنة الهجرية

2026-06-15 10:41 1848
طقس العراق... ارتفاع بدرجات الحرارة مع احتمال سقوط أمطار بكردستان

طقس العراق... ارتفاع بدرجات الحرارة مع احتمال سقوط أمطار بكردستان

2026-06-15 09:35 1594
الزيدي يهنئ الصحفيين بعيد الصحافة العراقية ويؤكد الإعلام بمختلف أنواعه

الزيدي يهنئ الصحفيين بعيد الصحافة العراقية ويؤكد الإعلام بمختلف أنواعه

2026-06-15 10:30 1677
إيران تعلن رسمياً التوصل لاتفاق مع الولايات المتحدة

إيران تعلن رسمياً التوصل لاتفاق مع الولايات المتحدة

2026-06-15 09:01 2281
رئيس وزراء باكستان يعلن التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران والتوقيع 19 يونيو

رئيس وزراء باكستان يعلن التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران والتوقيع 19 يونيو

2026-06-15 00:25 4966
ولايتي: ساعة الصفر حانت والمنصات تتحضر للإطلاق

ولايتي: ساعة الصفر حانت والمنصات تتحضر للإطلاق

2026-06-14 23:54 4456
العراق بين أدنى الدول عالمياً استهلاكاً للأسماك على مستوى الفرد

العراق بين أدنى الدول عالمياً استهلاكاً للأسماك على مستوى الفرد

2026-06-14 23:39 5036
الإتحاد العراقي يحدد مواعيد الانتقالات الصيفية والشتوية لدوري النجوم

الإتحاد العراقي يحدد مواعيد الانتقالات الصيفية والشتوية لدوري النجوم

2026-06-14 23:36 5221
بين التوقيع المرتقب والتصعيد المحتمل... المنطقة على حافة اختبار جديد

بين التوقيع المرتقب والتصعيد المحتمل... المنطقة على حافة اختبار جديد

2026-06-14 22:06 5340
استعداداً لمحرم... عمليات بغداد ترفع الجاهزية وتعلن ملامح خطتها الأمنية والخدمية

استعداداً لمحرم... عمليات بغداد ترفع الجاهزية وتعلن ملامح خطتها الأمنية والخدمية

2026-06-14 22:43 5826
تسنيم: إلغاء الرحلات في مطارات غرب إيران إلى إشعار آخر

تسنيم: إلغاء الرحلات في مطارات غرب إيران إلى إشعار آخر

2026-06-14 22:40 4344
مستشار خامنئي رداً على ضربة الضاحية: سنلقن المعتدين درساً يجعلهم يندمون

مستشار خامنئي رداً على ضربة الضاحية: سنلقن المعتدين درساً يجعلهم يندمون

2026-06-14 21:57 4548
ترامب: اتفاق إيران سيشمل لبنان والهجوم على بيروت اليوم مرفوض

ترامب: اتفاق إيران سيشمل لبنان والهجوم على بيروت اليوم مرفوض

2026-06-14 17:56 5558
‏وزير الحرب الأمريكي: نحن على المسار الصحيح لتوقيع الاتفاق مع إيران

‏وزير الحرب الأمريكي: نحن على المسار الصحيح لتوقيع الاتفاق مع إيران

2026-06-14 17:53 5295
تذاكر وهمية ومضيفات بمليوني دينار تضع الخطوط الجوية العراقية بالتحقيق

تذاكر وهمية ومضيفات بمليوني دينار تضع الخطوط الجوية العراقية بالتحقيق

2026-06-14 17:29 9503
واشنطن تؤكد: ترامب وفانس عازمان على توقيع الاتفاق مع إيران اليوم

واشنطن تؤكد: ترامب وفانس عازمان على توقيع الاتفاق مع إيران اليوم

2026-06-14 17:18 5610
أسود الرافدين في بوسطن.. زئير عراقي يتأهب لإشعال مونديال 2026

أسود الرافدين في بوسطن.. زئير عراقي يتأهب لإشعال مونديال 2026

2026-06-14 17:14 5058
بتوجيه من الزيدي.. إيقاف مؤقت لإجازات الاستثمار للمجمعات السكنية + وثيقة

بتوجيه من الزيدي.. إيقاف مؤقت لإجازات الاستثمار للمجمعات السكنية + وثيقة

2026-06-14 17:10 9371