المطلع
عاجل

post-image

سوريا... انعدام ثقة المواطنين بالحكومة الجديدة يعرقل جهود ضبط السلاح


02:02 تقارير عربية ودولية
2025-05-07
115647

تجد الحكومة السورية نفسها أمام اختبار جديد للسيطرة وبسط نفوذها، وهذه المرة في بلدة جرمانا جنوب شرقي العاصمة دمشق، حيث يبرز توتر أمني متصاعد بسبب تمسك السكان المحليين، وغالبيتهم من الطائفة الدرزية، بالاحتفاظ بسلاحهم الفردي، في تحدٍ علني لدعوات السلطة بتجريده، وتعكس هذه الحالة عمق الفجوة بين الدولة والمجتمعات المحلية في مرحلة ما بعد الحرب، وتطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة على فرض هيبتها دون اللجوء إلى القوة أو التنازل عن مطالبها.

وجاء في تقرير لصحيفة العرب وتابعته "المطلع"، أن:"هذا الرفض لا يعكس مجرد تمسك محلي بالسلاح، بل يعكس أزمة أعمق تتمثل في انعدام ثقة متجذر بالسلطة المركزية التي لم تفلح، حسب رأي السكان، في تقديم ضمانات أمنية حقيقية، ولا تزال عاجزة عن ضبط العصابات المسلحة التي تهدد أمن الأقليات".

وفي أعقاب اشتباكات طائفية دامية بين مقاتلين سُنة ودروز، بدأت الحكومة الجديدة حملة لنزع السلاح في محيط دمشق، إلا أن دروز جرمانا، شأنهم شأن كثيرين في مناطق الأطراف، ينظرون بعين الريبة إلى نوايا الحكومة وقدرتها على حمايتهم بعد سنوات من الانفلات الأمني، وأشهر من التوترات المتصاعدة بين الطوائف.

ويرى الأهالي أن:"السلاح ليس وسيلة تحد، بل ضرورة وجودية في وجه احتمالات تكرار سيناريوهات العنف الطائفي، كما حدث في الساحل السوري مؤخرا".

ويقول مكرم عبيد، أحد وجهاء البلدة المشاركين في المفاوضات مع الحكومة:"قلنا لهم، بمجرد أن تكون هناك دولة قادرة على تنظيم قواتها، فلن تكون لدينا مشكلة في تسليم أسلحتنا".

ويلخص عبيد المأزق بقوله:"لا مشكلة في تسليم السلاح، لكن من الذي سيحمي الناس حين يختفي؟".

ويقول مراقبون إنه:"في ظل غياب أجهزة أمنية فاعلة، وتزايد نشاط الفصائل المسلحة في مناطق عدة من سوريا، يبدو مطلب نزع السلاح كأنه محاولة لتجريد المكونات الضعيفة من أدوات الدفاع الوحيدة التي تمتلكها، من دون تقديم بدائل حقيقية للأمن".

وتلقي الخشية من تكرار جرائم الماضي بظلالها على الحاضر. ويقول أحد سكان جرمانا:"الناس يريدون الشعور بالأمان"، مضيفًا أن:"انهيار النظام لم يجلب الاستقرار المنتظر".

ومن هنا، فإن الحديث عن نزع السلاح يبدو في نظر السكان بمثابة تفريط غير مضمون في الأمان الشخصي والمجتمعي.

ولم تنجح السلطات المركزية الجديدة، التي لا تزال تكافح لترسيخ شرعيتها، بعد في ترميم الثقة مع الأقليات، لاسيما الدروز الذين يشعرون بأنه يُطلب منهم تقديم تنازلات متتالية من دون أي التزام فعلي من الدولة بحمايتهم.

وتساءل الشيخ موفق أبوشاش بمرارة:"نحن نقدم خطوات متتالية ولكن ماذا بعد"، في إشارة إلى ما يعتبره المجتمع الدرزي مسارا أحادي الاتجاه من التنازلات غير المتكافئة.

وتفاقمت الأزمة بسبب دخول إسرائيل على خط التوتر، حيث شنّت غارات على أهداف قرب جرمانا بذريعة حماية الدروز، ما زاد من تعقيد الموقف وأكد هشاشة الوضع الأمني.

ويزيد التدخل الإسرائيلي، وإن كان مرحبًا به ضمنيًا من بعض السكان، التشكيك في قدرة الدولة السورية على السيطرة على المشهد الأمني، ويغذي إحساسًا عميقًا بأن "النجاة الذاتية" تبقى الخيار الأكثر واقعية.

وفي ظل هذا الواقع تبدو مساعي دمشق لنزع سلاح الدروز غير قابلة للتنفيذ ما لم تُرفق بخطوات جادة لإعادة بناء الثقة.

فالسلاح ليس قضية معزولة عن سياق سياسي وأمني هش، بل هو جزء من منظومة حماية ذاتية بُنيت في فراغ الدولة، وما لم تُملأ هذه الفجوة بضمانات فعلية، سيبقى السلاح في يد السكان، لا كمصدر تهديد بل كصمّام أمان.

ويشير محللون إلى أن:"أول ما تحتاجه دمشق ليس تجريد جرمانا من سلاحها، بل استعادة ثقة أبنائها".

ويعد تمسك الأقليات بالسلاح في مرحلة ما بعد الحرب السورية ظاهرة منتشرة في عدة مناطق، ليس فقط بسبب المخاوف الأمنية، بل نتيجة فراغ مؤسسات الدولة وضعف ثقة المجتمعات المحلية بحكومة ما بعد الأسد.

وقد سبق للدروز في السويداء أن شكلوا مجموعات حماية ذاتية خلال السنوات الأخيرة من النزاع، معتمدين على شبكاتهم المحلية بدلا من الجيش أو قوات الأمن الرسمية، التي يُنظر إليها من قبل العديد من السكان على أنها متورطة في تحيّزات طائفية أو غير قادرة على حماية المواطنين.

وكما أن النظام السوري السابق استخدم في الكثير من الأحيان إستراتيجية "التسليح الموجّه"، حيث سلّح مجموعات من مختلف الطوائف لفرض سيطرته على مناطق متوترة، ما جعل السلاح جزءًا من المعادلة الاجتماعية والسياسية، لا مجرد أداة قتالية.

وجعل هذا الإرث محاولات نزع السلاح بعد سقوط النظام تواجه بحذر من المجتمعات التي لا تزال تحمل الذاكرة الحية لانهيار الأمن حين غابت الدولة، أو تواطأت مؤسساتها على العنف.

ويضاف إلى ذلك أن الوضع الجيوسياسي يضاعف من تعقيد مشهد جرمانا. فإسرائيل، التي تعهّدت علنًا بحماية الدروز السوريين، تنخرط بشكل متزايد في توجيه ضربات استباقية ضد من تعتبرهم تهديدًا لمجتمع الدروز، ما يعمّق الشعور المحلي بأن مصدر الحماية ليس دمشق، بل الخارج، ويكرس منطق الاعتماد الذاتي على السلاح.

ولطالما اتسمت العلاقة بين الطائفة الدرزية والدولة السورية بتوازن دقيق بين الولاء الوطني والسعي للحفاظ على نوع من الاستقلال المحلي، وهي علاقة تعود جذورها إلى ثورة عام 1925 حين لعب الدروز دورا محوريا في مقاومة الانتداب الفرنسي.

ولم يتحول هذا الإرث المقاوم إلى صفحة من الماضي، بل ظل حيًا في الذاكرة الجمعية لأبناء الطائفة، يغذي موقفًا راسخًا من أي محاولة لتجريدهم من وسائل الدفاع الذاتية، ويمنح السلاح بعدًا رمزيًا يتجاوز كونه مجرد أداة أمنية.

وما يعزز هذا الشعور هو واقع ما بعد النزاع السوري، الذي يشبه إلى حد بعيد تجارب بلدان أخرى شهدت حروبًا أهلية طويلة، مثل لبنان والعراق، حيث احتفظت جماعات طائفية أو عشائرية بأسلحتها لسنوات بعد توقف القتال الرسمي، في ظل غياب إصلاحات أمنية حقيقية أو مؤسسات دولة قوية.

ومن هذا المنظور تبدو جرمانا اليوم جزءًا من مشهد أوسع، تسير فيه المجتمعات المحلية على خطى مجتمعات مماثلة وجدت في السلاح ملاذا اضطراريا، وليس خيارا عدائيا.

ويزداد المشهد تعقيدًا في جرمانا بفعل أبعاده الإقليمية والدولية، فالجنوب السوري لم يعد مجرد ساحة داخلية للصراع على السلطة، بل تحوّل إلى منطقة تتقاطع فيها مصالح دولية كبرى، أبرزها إسرائيل وإيران وروسيا.

ولا يمكن إغفال الأثر النفسي والاجتماعي العميق الذي خلفه انهيار الأمن على المجتمعات المحلية، خاصة تلك التي تنتمي إلى أقليات دينية أو إثنية.

ففي مثل هذا السياق لا يُنظر إلى السلاح كخطر، بل كجزء من معادلة البقاء، وعنصر أساسي من عناصر الشعور بالأمان والانتماء.

وتحول السلاح إلى رمز للكرامة الشخصية والقدرة على حماية الذات، بعد أن فقدت الدولة مصداقيتها كمصدر موثوق للأمن.

ولذلك لا يمكن أن يتم تفكيك هذا الارتباط بقرارات فوقية أو عبر حملات نزع سلاح تفتقر إلى الضمانات، بل يتطلب مسارًا طويلا من إعادة بناء الثقة، ومصالحة حقيقية تنبع من إدراك الدولة لحقيقة أن ما فقد ليس فقط السيطرة، بل الشرعية.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

النعمان: ملف سنجار من الواجبات الحصرية للحكومة.. وجهود مستمرة لإعادة الإعمار والنازحين

النعمان: ملف سنجار من الواجبات الحصرية للحكومة.. وجهود مستمرة لإعادة الإعمار والنازحين

2026-10-28 13:52 1257
مكتبه: الزيدي سيجري مباحثات مع الشرع تتناول العلاقات الثنائية

مكتبه: الزيدي سيجري مباحثات مع الشرع تتناول العلاقات الثنائية

2026-10-28 13:26 1831
الشرع يستقبل الزيدي في مطار دمشق الدولي

الشرع يستقبل الزيدي في مطار دمشق الدولي

2026-10-28 13:11 1882
‏رويترز: طهران تدرس مسودة اتفاق جديدة قدمها الوسيط القطري

‏رويترز: طهران تدرس مسودة اتفاق جديدة قدمها الوسيط القطري

2026-10-28 12:20 3314
رئيس الوزراء علي الزيدي يغادر بغداد متوجهاً إلى سوريا لبحث العلاقات الثنائية

رئيس الوزراء علي الزيدي يغادر بغداد متوجهاً إلى سوريا لبحث العلاقات الثنائية

2026-10-28 12:11 2885
"المطلع" تنشر قرارات مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء

"المطلع" تنشر قرارات مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء

2026-10-28 00:19 12557
أمطار متفاوتة الشدة تبدأ من غرب البلاد وتمتد تباعاً إلى باقي المناطق

أمطار متفاوتة الشدة تبدأ من غرب البلاد وتمتد تباعاً إلى باقي المناطق

2026-10-27 22:49 10950
لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

2026-10-27 21:23 6813
الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

2026-10-27 20:13 5617
أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

2026-10-27 18:17 7253
إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

2026-10-27 16:25 13060
بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

2026-10-27 14:31 6389
التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

2026-10-27 14:21 12874
الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

2026-10-27 14:16 9266
رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

2026-10-27 13:18 7454
العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

2026-10-27 13:16 8216
بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

2026-10-27 12:36 11935
السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

2026-10-27 12:19 9899