المطلع
عاجل

post-image

من رفض المصافحة إلى فرض الشروط… كيف غيّرت إيران قواعد التفاوض في سويسرا


23:16 تقارير عربية ودولية
2026-06-22
91878

لم تبدأ معركة سويسرا من داخل الأوراق ولا من بين بنود الاتفاقات، بل بدأت قبل ذلك بلحظة واحدة صامتة داخل القاعة… لحظة رفض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مصافحة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس.  

حركة بروتوكولية صغيرة في ظاهرها، لكنها حملت رسالة سياسية كبيرة: طهران لم تدخل المفاوضات بوصفها طرفاً يبحث عن مخرج، بل بوصفها طرفاً يرى أنه خرج من مواجهة مفتوحة وهو يحمل أوراق قوة يريد تحويلها إلى مكاسب سياسية واقتصادية.

في تلك القاعة لم تكن المفاوضات مجرد لقاء بين وفدين، بل كانت جولة جديدة من صراع طويل انتقل من الميدان إلى السياسة. 

الولايات المتحدة جاءت وهي تريد تثبيت تفاهمات تضمن فتح الطريق أمام تهدئة أوسع، فيما دخلت إيران وهي تتمسك بأن أي اتفاق يجب أن يُبنى على قاعدة جديدة: لا تنازلات مجانية، ولا عودة إلى نقطة الصفر.

ولهذا تحولت الجولة الأولى في سويسرا إلى اختبار إرادات أكثر من كونها جلسة تفاوض عادية. 

فخلف البيانات الدبلوماسية التي تحدثت عن التقدم وخارطة الطريق، كانت تدور معركة أساسية حول سؤال واحد: من يحدد شكل المرحلة المقبلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترامب حاول إبقاء منطق الضغط حاضراً عندما أكد أن الولايات المتحدة تملك عدة خيارات إذا لم تقدم إيران التزامات جدية، ووصل الأمر إلى إطلاق تحذيرات مرتبطة بمضيق هرمز، وهو ما اعتبرته طهران تجاوزاً لروح التفاهمات التي تم التوصل إليها.

بالنسبة لإيران، لم تكن القضية مجرد تصريح إعلامي، بل اختباراً لطبيعة مذكرة التفاهم ذاتها، فإذا كانت المفاوضات قائمة على الالتزام المتبادل، فإن العودة إلى لغة التهديد تعني بالنسبة لها محاولة لإعادة صياغة المشهد من جديد.

ولهذا غادر الوفد الإيراني قاعة الاجتماعات بشكل مؤقت بعد نحو 80 دقيقة من المباحثات، قبل أن تبدأ مشاورات مكثفة مع الوسطاء القطريين والباكستانيين لإعادة المسار إلى الطاولة.

لكن ما حدث كشف جوهر الخلاف: واشنطن أرادت التعامل مع مذكرة التفاهم كمرحلة يمكن تعديلها وإعادة التفاوض حولها، بينما أصرت طهران على اعتبارها أساساً ملزماً وسقفاً لأي اتفاق نهائي.

ومن هنا بدأت المعركة الحقيقية، فإيران لم تنظر إلى المفاوضات باعتبارها نقاشاً حول ملف نووي فقط، بل باعتبارها عملية إعادة ترتيب لموازين القوة بعد الحرب. 

فالملفات التي طرحت على الطاولة لم تكن منفصلة عن بعضها: مضيق هرمز، العقوبات، النفط، الأموال المجمدة، التخصيب، وملف لبنان، كلها أصبحت أجزاء من صفقة واحدة، وكان مضيق هرمز هو العنوان الأبرز لهذه المعادلة.

فهذا الممر المائي لم يعد في الحسابات الإيرانية مجرد طريق للسفن، بل تحول إلى ورقة استراتيجية أثبتت خلال الأزمة قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. 

ولهذا ركزت طهران على صياغات دقيقة داخل مذكرة التفاهم، بحيث لا يكون فتح الملاحة عودة كاملة إلى الوضع السابق، بل خطوة مرتبطة بترتيبات جديدة.

النص تحدث عن ضمان العبور الآمن للسفن التجارية، لكنه أبقى مسألة الإدارة المستقبلية للمضيق مرتبطة بمشاورات بين إيران وسلطنة عمان باعتبارهما دولتين ساحليتين، وهو ما رأت فيه طهران تثبيتاً لمبدأ السيادة والحقوق الساحلية.

وهنا ظهرت إحدى أهم أوراق القوة الإيرانية: تحويل الجغرافيا إلى نفوذ سياسي.

فالدول الكبرى قد تملك الأساطيل والقواعد، لكن إيران تملك موقعاً يجعل أي اضطراب في المنطقة ينعكس على العالم بأسره. 

وهذا ما جعل ملف هرمز يتجاوز كونه بنداً تفاوضياً إلى ورقة ضغط دولية.
فالولايات المتحدة كانت تدرك أن استمرار الأزمة يعني كلفة اقتصادية وعسكرية كبيرة، خصوصاً مع تأثيرات ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة العالمية، ولذلك أصبح فتح المضيق أولوية لا يمكن تجاهلها.

أما طهران فدخلت المفاوضات وهي تقول عملياً إن فتح المضيق ليس تنازلاً مجانياً، بل جزء من معادلة أوسع تقوم على الاعتراف بدورها الإقليمي.

وفي الجانب الاقتصادي، حاولت إيران تحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج عملية. 

فرفع واشنطن اليوم للقيود عن تصدير النفط والمنتجات البتروكيماوية، والإفراج عن جزء من الأموال المجمدة، لم تُقرأ في طهران كمنح أميركية، بل كجزء من مبدأ "الالتزام مقابل الالتزام".

وهذا ما شدد عليه المسؤولون الإيرانيون خلال الحديث عن المرحلة المقبلة، مؤكدين أن أي خطوة إيرانية يجب أن يقابلها تنفيذ واضح من الطرف الآخر.

في المقابل، حاولت واشنطن الحفاظ على أدوات الضغط، إذ ربطت بعض الخطوات الاقتصادية بمستوى التقدم في المفاوضات وبالتحقق من التنفيذ.

وهكذا بقي الصراع قائماً: إيران تريد ضمانات تمنع استخدام الاتفاق لاحقاً كسلاح ضدها، والولايات المتحدة تريد آليات مراقبة تمنع انهيار التفاهمات.
أما الملف النووي فكان الساحة الأكثر حساسية.

فخفض مستوى التخصيب من 60% إلى 20% لا يعني، وفق الرؤية الإيرانية، التخلي عن القدرة النووية، بل إعادة تنظيمها ضمن صيغة جديدة. 

وهذا تحديداً ما أثار قلق إسرائيل، التي ترى أن استمرار التخصيب داخل إيران، حتى بمستويات أقل، يبقي جوهر المشكلة قائماً.

ولهذا كانت تل أبيب تراقب المفاوضات بقلق، خشية أن تنتقل واشنطن من سياسة الضغط القصوى إلى سياسة التسويات، خصوصاً إذا تحولت التفاهمات إلى مسار طويل يعيد ترتيب العلاقة بين إيران والولايات المتحدة.

لكن العقدة الإسرائيلية لم تكن فقط في الملف النووي، بل أيضاً في ملف لبنان.

فطهران ربطت استمرار المسار التفاوضي بآليات خفض التصعيد، بينما بقي السؤال حول قدرة واشنطن على ضمان التزامات حلفائها، وخاصة إسرائيل.

وهنا ظهر ضعف المعادلة الأميركية: فهي تفاوض باسم التهدئة، لكنها ليست الطرف الوحيد القادر على التحكم بكل تفاصيل الميدان.

وبينما كانت التصريحات الرسمية تتحدث عن تقدم، بقيت خلف الطاولة رسالة إيرانية واضحة: التفاوض ليس الخيار الوحيد.

فطهران دخلت سويسرا وهي تحمل مسارين متوازيين، مسار الاتفاق إذا ضمنت مصالحها، ومسار العودة إلى التصعيد إذا شعرت بأن الطرف الآخر يحاول تحويل التفاهم إلى أداة لإعادة فرض الشروط.

وهذا ما جعل كل بند في المفاوضات يحمل معنى مزدوجاً، ففتح هرمز يعني تهدئة الأسواق، لكنه يثبت في الوقت نفسه أهمية الدور الإيراني في المنطقة.

خفض التخصيب يعني تقليل التوتر، لكنه لا يعني إنهاء القدرة الإيرانية.

رفع العقوبات يعني انفراجاً اقتصادياً، لكنه لا يعني انتهاء الصراع على النفوذ.

في النهاية، كشفت سويسرا أن المعركة لم تكن فقط حول توقيع اتفاق، بل حول من يملك حق كتابة اليوم التالي للحرب.

الولايات المتحدة تريد اتفاقاً يمنع انفجاراً جديداً ويحافظ على مصالحها ومصالح حلفائها، بينما تريد إيران اتفاقاً يثبت أن سنوات الضغط لم تنتج تراجعاً، بل نقلت المواجهة إلى طاولة تفاوض مختلفة.

ولهذا بقيت الصورة الأخيرة من المفاوضات تحمل المعنى الأكبر: رفض المصافحة في البداية لم يكن مجرد موقف بروتوكولي، بل إعلاناً بأن طهران تريد أن تدخل المرحلة المقبلة من موقع الطرف الذي يفاوض على الشروط، لا الطرف الذي يتلقى الشروط.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل كانت سويسرا بداية تسوية تاريخية، أم مجرد هدنة سياسية قبل جولة جديدة من الصراع؟؟؟.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

"المطلع" تنشر قرارات مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء

"المطلع" تنشر قرارات مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء

2026-10-28 00:19 323
أمطار متفاوتة الشدة تبدأ من غرب البلاد وتمتد تباعاً إلى باقي المناطق

أمطار متفاوتة الشدة تبدأ من غرب البلاد وتمتد تباعاً إلى باقي المناطق

2026-10-27 22:49 3309
لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

لجنة الأمن تحذر من تأثير آليات الترقيات على استقرار الملاك الوظيفي

2026-10-27 21:23 2897
الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

الإعلام الأمني ينفي تعيين شخصيات محددة لرئاسة جهاز المخابرات الوطني

2026-10-27 20:13 3465
أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

أسعار صرف الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصة

2026-10-27 18:17 4415
إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

إحالة نائب إلى لجنة السلوك النيابي بسبب تجاوزه على السوداني

2026-10-27 16:25 8806
بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

بيان عاجل من الإعلام الأمني يزيح الستار عن أسباب دوي الانفجار ببغداد

2026-10-27 14:31 4978
التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

التربية تقرر منع تغيير أسماء المدارس حفاظاً على حقوق الطلبة + وثيقة

2026-10-27 14:21 9301
الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

الاتحادية تقضي بعدم دستورية قرار يحظر تملك الأجانب واستثمار أموالهم بالعراق

2026-10-27 14:16 6419
رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

رفض سوري قاطع لعمليات القصف الأردنية التي استهدفت محافظة درعا

2026-10-27 13:18 5336
العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

العراق يؤكد التزامه بالدستور وحماية الاستقرار ومنع استخدام أراضيه للاعتداء

2026-10-27 13:16 6267
بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

بالوثائق.. التربية تحدد آلية تدقيق طلبات الانتساب وتعتمد البوابة الإلكترونية حصراً

2026-10-27 12:36 8095
السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

السجن 8 سنوات للمدير العام لشركة توزيع المنتجات النفطية

2026-10-27 12:19 6941
أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

أحكام بالسجن المؤبد و15 عاماً بحق فرنسيين ينتمون لعناصر داعش

2026-10-27 12:18 6693
أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

أسعار الدولار تتجاوز 168 الف دينار في الأسواق العراقية

2026-10-27 12:08 5085
ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

ملاحقة قضائية تطال مدير كهرباء المثنى وآخرين بملفات فساد

2026-10-27 11:09 7085
طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

طقس العراق.. أمطار رعدية وانخفاض في درجات الحرارة

2026-10-27 10:10 8123
تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

تراجع طفيف للذهب مع ترقب قرار الفيدرالي الأمريكي بشأن الفائدة

2026-10-27 08:18 6299